محمد هادي معرفة

61

التمهيد في علوم القرآن

على أنّ الهدف الأقصى أوسع من أمر القصاص وأعظم شأنا ، وهي الحياة ، حياة الإنسان الكريمة . واشتمالها على بيان النتيجة وعلى بيان الحقيقة ، وأنّ القصاص هو المؤدّي إلى الحياة ، دون مطلق القتل ، وغير ذلك ممّا تشتمل عليه من فوائد ولطائف . . . « 1 » . هذا بالإضافة إلى ما لتعبير القرآن من محسّنات بديعية باهرة ، ليست في ذلك التعبير العربي . قال ابن الأثير : من الإيجاز ما يسمّى الإيجاز بالقصر ، وهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها ، وفي عدّتها ، بل يستحيل ذلك . وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا وأعوزها إمكانا ، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذّا نادرا . والقرآن الكريم ملآن منه « 2 » . فمن ذلك ما ورد من قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . فإنّ قوله تعالى : الْقِصاصِ حَياةٌ لا يمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة ، لأنّ معناه أنّه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل ، وكذلك إذا أيقن القاتل أن سوف يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل ، تردّد في ارتكاب القتل وربما أمسك عنه ، فكان في ذلك حياة للناس . ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم : « القتل أنفى للقتل » . فإنّ من لا يعلم يظنّ أن هذا على وزن الآية ، وليس كذلك ، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه : الأول : أنّ « القصاص حياة » لفظتان ، و « القتل انفى للقتل » ثلاثة

--> ( 1 ) تفسير الميزان : ج 1 ص 442 . ( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 348 وص 352 - 353 .